بالنسبة للكثيرين، غالباً ما يُنظر إلى رمضان على أنه "خط نهاية"، أو مهرجان روحي سنوي عابر يأتي ويرحل في لمح البصر. ومع ذلك، كان رمضان بالنسبة للسلف الصالح هو مركز الجاذبية . فمثل الشمس في قلب المجموعة الشمسية، يعمل رمضان كمحور للطاقة، تحافظ قوة جاذبيته على مدار العام كاملاً من العبادة والتقوى ثابتاً في مساره الصحيح :

أ-الشوق الذي يتجاوز الزمن

 لم يكن السلف الصالح ينظرون إلى رمضان على أنه ضيف يحل فجأة بل كانت ألسنتهم تلهج بالدعاء قبل رؤية الهلال بستة أشهر , بأن يبلغهم الله ذلك الشهر., وهذا يشير إلى ما ذكره معلى بن الفضل وهو من علماء أتباع التابعين فيما نقله الإمام ابن رجب الحنبلي في كتاب لطائف المعارف " كَانُوا يَدْعُونَ اللَّهَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَنْ يُبَلِّغَهُمْ رَمَضَانَ ثُمَّ يَدْعُونَهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَنْ يَتَقَبَّلَهُ مِنْهُمْ" ومعنى ذلك أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يجمعهم بشهر رمضان ثم يدعونه ستة أشهر أخرى أن يتقبل الله أعمالهم فيه  . إن هذا يمثل إدارة عجيبة للشوق فإذا جمعنا الفترتين نجد أن حياتهم طوال العام أي اثني عشر شهرا كانت تتمحور حول رمضان فكانت الأشهر الستة الأولى فترة إعداد وانتظار بينما كانت الأشهر الستة المتبقية فترة تقييم ورجاء .

 ب - الدعاء كجسر روحي.   

 من الأدعية التي كانت تمثل وقودا لشوقهم ما روي عن يحيى بن أبي كثير اَللَّهُمَّ سَلِّمْنِيْ إِلَى رَمَضَانَ وَسَلِّمْ لِيْ رَمَضَانَ وَتَسَلَّمْهُ مِنِّيْ مُتَقَبَّلاً .  ومعناه اللهم أوصلني بسلام إلى شهر رمضان وسلم لي عبادة رمضان وتسلم أعمالي فيه قبولا حسنا.

ج - ديناميكية الرجاء والخوف .

خلق هذا النمط من الحياة توازنا نفسيا صحيا جدا للمؤمن .

الرجاء وهو الأمل المتفائل.  فهم يسعون خلف رمضان ليقينهم بأنه موسم مغفرة ومضاعفة للأجور بشكل لا يخضع للحسابات البشرية ولوجود ليلة القدر فيه . وهذا الجانب هو الذي يحيي فيهم الحماس للعبادة

الخوف وهو القلق المثمر .  فبعد انقضاء رمضان لم يكونوا يشعرون بالغرور أو يدعون الطهارة بل كان يتملكهم القلق هل كان صيامهم مجرد جوع وعطش وهل سجداتهم مقبولة فهذا الخوف هو الذي يحميهم من الوقوع في الكبر الروحي ويجعلهم مستمرين في العمل الصالح للأشهر الستة التالية.

د - رمضان ليس موسميا.

 إن جعل رمضان مركز الجاذبية يعني أننا لا نسمح لإيماننا بالخروج عن مدار الطاعة بعد حلول عيد الفطر  . فإذا كان السلف يحتاجون إلى اثني عشر شهرا للاحتفاء بشهر واحد فإن ذلك يثبت أن جودة المؤمن تتحدد بمدى بقاء أثر رمضان في سلوكه ,

فرمضان ليس مجرد طقوس بل هو عملية شحن للطاقة ليبقى نور الخير ساطعا في الشهور الأخرى

 

 أبو سلطان فيصل حسن سوفي